أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
448
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : . . . أَبْصِرْ بِهِ . . . صيغة تعجب ، بمعنى : ما أبصره على سبيل المجاز ، والهاء للّه تعالى ، وفي مثل هذا ثلاثة مذاهب : الأصح : أنه بلفظ الأمر ، ومعناه الخبر ، والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ . والثاني : أن الفاعل ضمير المصدر . والثالث : أنه ضمير المخاطب ، أي : أوقع أيها المخاطب ، وقيل : هو أمر حقيقة لا تعجب ، وأن الهاء تعود على « الهدى » المفهوم من الكلام . وقرأ عيسى : « أسمع . . . وأبصر » فعلا ماضيا ، والفاعل اللّه تعالى ، وكذلك الهاء في « بِهِ » ، أي : أبصر عباده وأسمعهم . قوله : مِنْ وَلِيٍّ يجوز أن يكون فاعلا ، وأن يكون مبتدأ . قوله : وَلا يُشْرِكُ قرأ ابن عامر بالتاء والجزم ، أي : ولا تشرك أنت أيها الإنسان ، والباقون بالياء من تحت ، ورفع الفعل ، أي : ولا تشرك اللّه في حكمه أحدا ، فهو نفي محض . وقرأ مجاهد : « ولا يشرك » بالياء من تحت والجزم . قال يعقوب : لا أعرف وجهه . قلت : وجهه أن الفاعل ضمير الإنسان ، أضمر للعلم به ، والضمير في قوله : « ما لَهُمْ » يعود على معاصري رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال ابن عطية : « وتكون الآية اعتراضا بتهديد ، كأنه يعني بالاعتراض : أنهم ليسوا ممن سيق الكلام لأجلهم ، ولا يريد الاعتراض الصناعي » . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 28 إلى 29 ] وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ( 29 ) قوله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ . أي : إحبسها وثبتها ، قال أبو ذويب : 3173 - فصبرت عارفة لذلك حرّة * ترسو إذا نفس الجبان تطلّع « 1 » قوله : « بِالْغَداةِ » تقدم الكلام عليها في الأنعام « 2 » . قوله : « وَلا تَعْدُ عَيْناكَ » فيه وجهان : أحدهما : أن مفعوله محذوف ، تقديره : ولا تعد عيناك النظر . والثاني : أنه ضمن معنى ما يتعدى ب « عن » . قال الزمخشري : « وإنمّا عدّي ب « عن » لتضمين « عدا » معنى : نبا ، وعلا ، في قولك ، نبت عنه عينه ، إذا اقتحمته ، ولم تعلق به ، فإن قلت : أي غرض في هذا التضمين ؟ وهلّا قيل ، ولا تعدهم عيناك ، أو تعل عيناك عنهم ؟ قلت : الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين ، وذلك
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) آية ، رقم ( 52 ) .